الوقف والابتداء
شباب اليوم
2011-05-18, 11:14 PM   #1
الكاتب احمد حمزه


من كتاب التمهيد في علم التجويد للعلامة الإمام الجزري رحمه الله

اعلم أن علماءنا اختلفوا في أقسام الوقف، والمختار منه بيان أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك. وقد صنف العلماء في ذلك كتباً مدونة، وذكروا فيها أصولاً مجملة، وفروعاً في الآي مفصلة، فمنها ما أثروه عن أئمة العربية في كل مصر، ومنها ما استنبطوه وفاق الأثر وخلافه، ومنها ما اقتدوه فيه بالأثر فقط، كالوقف على رؤوس الآي، وهو وقف النبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ، رحمهما الله تعالى، إلى أن تقدير الموقوف عليه من القرآن بالتام والكافي والحسن والقبيح وتسميته بذلك بدعة، ومسميه بذلك ومتعمد الوقف على نحوه مبتدع. قال: لأن القرآن معجز، وهو كله كالقطعة الواحدة، وبعضه قرآن معجز، وكله تام حسن، وبعضه تام حسن.
قال المحققون: وليس الأمر كما زعم أبو يوسف، لأن الكلمة الواحدة ليست من الإعجاز في شيء، وإنما المعجز الوصف العجيب والنظم الغريب، وليس ذلك في بعض الكلمات. وقوله: إن بعضه تام حسن كما أن كله تام حسن، فيقال له: إذا قال القارئ: (إذا جاء) ووقف، أهذا تام وقرآن؟ فإن قال: نعم، قيل إنما يحتمل أن يكون القائل أراد إذا جاء الشتاء، وكذلك كلما افرد من كلمات ال قرآن وهو موجود في كلام البشر، فإذا اجتمع وانتظم وانحاز عن غيره وامتاز ظهر ما فيه من الإعجاز.
ففي معرفة الوقف والابتداء، الذي دونه العلماء، تبيين معاني القرآن العظيم وتعريف مقاصده وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره وفوائده، فإن كان هذا بدعة فنعمت البدعة هذه.
واعلم أنه يجب على القارئ أن يصل المنعوت بنعته، والفعل بفاعله، والفاعل بمفعوله، والمؤكد بمؤكده، والبدل بالمبدل منه، والمستثنى بالمستثنى منه، والمعطوف بالمعطوف عليه، والمضاف بالمضاف إليه، والمبتدآت بأخبارها والأحوال بأصحابها، والأجوبة بطالبها، والمميزات بمميزاتها، وجميع المعمولات بعواملها، ولا يفصل شيئاً من هذه الجمل إلا في بعض أجزائها.
وهو الذي قد انفصل مما بعده لفظا ومعنى . أخبرنا شيحنا أبو عبدالله محمد بن اللبان ، قال أخبرتني الشيخة الصالحة زين الدار أم محمد الوجيهية بنت علي بن يحيى بن علي الصعيدي ، قالت : اخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن وثيق ، قال: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن زروق ، قال : أخبرنا الخولاني قال : أخبرنا أبو عمرو الداني ، قال أخبرنا أبو الفتح فارس بن أحمد ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد وعبيد بن محمد، قالا: أخبرنا علي بن الحسين القاضي، قال: أخبرنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وسمعته منه، قال: أخبرنا علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل استزده، [ فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده ]، حتى بلغ سبعة أحرف، كل شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب. وفي رواية أخرى ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب بمغفرة.
فقال أبو عمرو: هذا تعليم الوقف التام من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام، إذ ظاهر ذلك أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب، و تفصل مما بعدها إذا كان ذكر العقاب، وكذلك ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب، وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر الجنة أو الثواب.
واعلم أن هذا القسم من الوقف، وهو التام، لا يوجد إلا عند تمام القصص وانقضائهن، ويكثر أيضاً وجوده في الفواصل، كقوله: وأولئك هم المفلحون ، ثم الابتداء بقوله: إن الذين كفروا وأنهم إليه راجعون ثم الابتداء بقوله: يا بني إسرائيل .
وقد يوجد التام قبل انقضاء الفاصلة [ كقوله: لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني هذا آخر قول الظالم، وتمام الفاصلة ] من قول الله تعالى: وكان الشيطان للإنسان خذولاً .
وقد يوجد التام بعد انقضاء الفاصلة بكلمة، كقوله: لم نجعل لهم من دونها سترا * كذلك ، آخر الفاصلة (ستراً)، والتمام (كذلك). وقوله: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل آخر الآية (مصبحين)، والتمام (وبالليل)، لأنه عطف على المعنى، تقديره مصبحين ومليلين، ومثله قوله: وسررا عليها يتكئون * وزخرفا .
وقد يوجد التام أيضاً في درجة الكافي من طريق المعنى لا من طريق اللفظ، كقوله: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه الوقف هنا، ويبتدأ بقو له: وتسبحوه بكرة وأصيلا ، لأن الضمير في وتوقروه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وفي وتسبحوه لله عز وجل، فحصل الفرق بالوقف. وكذا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً وقف تام، ثم يبتدأ ما لهم به من علم . وكذا القطع على ولا لآبائهم ويبتدأ كبرت كلمةً وما أشبه ذلك، مما يتم القطع عليه عند أهل وقد يكون الوقف تاماً على قراءة وحسناً على غيرها، نحو إلى صراط العزيز الحميد هذا تام على قراءة من رفع الجلالة بعده، وهو الله الذي ، وعلى النعت حسن. وكذا واتخذوا وكاف على القراءة الأخرى.
وقد يوجد التام على تأويل، وغير تام تأويل آخر، كقوله: وما يعلم تأويله إلا الله وقف تام على أن ما بعده مستأنف، وإلى هذا الوقف ذهب نافع ، و الكسائي ، ويعقوب، و الفراء ، و الأخفش ، و أبو حاتم ، ابن كيسان ، و ابن اسحاق ، و الطبري ، و أحمد بن موسى اللؤلؤي ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو عبيدة، و محمد بن عيسى الأصفهاني ، و ابن الانباري ، و أبو القاسم عباس بن الفضل . وهذا ظاهر ما يقتضيه تفسير مقاتل، وإلى معناه ذهب مالك بن أنس و غيره.
ومعنى الراسخون في العلم يقولون آمنا به أي يسلمون ويصدقون به، في قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وقال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وعلى هذا أكثر المفسرين.
وقال آخرون: لا يوقف على إلا الله لأن والراسخون في العلم معطوف عليه، وهذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن الحاجب وغيره، وعلى قول هؤلاء المتشابه يحتمل التأويل، وذكر الشيخ عبد الله المرسي أن أقوال هذه الفرقة تزيد على الثلاثين.
وهو الذي انفصل مما بعده في اللفظ، وله به تعلق في المعنى بوجه، وبالإسناد إلى الداني قال: حدثنا محمد بن خليفة الإمام، قال حدثنا محمد ابن الحسين، قال أخبرنا الفرياني، قال أخبرنا محمد بن الحسين البلخي ، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال حدثنا سفيان عن سليمان، يعني الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اقرأ علي فقلت له: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً قال: فرأيته وعيناه تذرفان دموعاً، فقال لي: حسبك قال الداني : وهذا دليل على جواز القطع على الوقف الكافي، لأن (شهيداً) ليس من التام، وهو متعلق بما بعده معنى، لأن المعنى: فكيف يكون حالهم إذا كان هذا، يومئذ يود الذين كفروا فما بعده متعلق بما قبله، والتمام (حديثاً) لأنه انقضاء القصة، وهو آخر الآية الثانية، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه دونه، مع تقارب ما بينهما، فدل ذلك دلالة واضحة على جواز القطع على الكافي. مثال ذلك قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أن زل إليك وما أنزل من قبلك هذا كلام مفهوم كاف، والذي بعده كلام مستقل مستغن عما قبله في اللفظ، وإن اتصل به في المعنى.
والكافي يتفاضل أيضاً في الكفالة كتفاضل التام، فمن المقاطع التي بعضها أكفى من بعض قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم القطع [ على بكفرهم كاف و إن كنتم مؤمنين أكفى منه، وكذا القطع على ] ربنا تقبل منا كاف، إنك أنت السميع العليم أكفى منه.
وقد يكون القطع كافياً على قراءة، ويكون موضع القطع موصولا على أخرى، كقوله: ويكفر عنكم من سيئاتكم من قرأ بالرفع قطع على قوله: فهو خير لكم ومن جزم لم يقطع. وكذا قوله: يستبشرون بنعمة من الله وفضل من كسر الهمزة من قوله: وأن الله قطع، وابتدأ به ومن فتحها وصلهما.
وقد يوجد الكافي على تأويل، ويكون موضع القطع غير كاف على تأويل آخر، كقوله تعالى: يعلمون الناس السحر من جعل وما أنزل نفياً قطع على (السحر)، ومن جعلها بمعنى الذي وصل، وبالنفي أقول. وكقوله: فأنزل الله سكينته عليه إذا جعلت الهاء للصديق قطع عليها، وكان كافياً، وهو قول سعيد بن جبير ، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم [ لم تزل السكينة معه، ومن جعلها للنبي صلى الله عليه وسلم ] لم يكن الوقف عليه كافياً، ووجب الوصل. ومنه قوله: حريص عليكم القطع عليه كاف، على قول من جعله متصلا بما قبله، وهو خطاب لأهل مكة، ثم ابتدأ فقال بالمؤمنين رؤوف رحيم والأوجه الوصل.




وهو الذي يحسن الوقف عليه، لأنه كلام حسن مفيد، ولا يحسن الابتداء بما بعده، لتعلقه به لفظاً ومعنى.
أخبرنا الشيخ الجليل أبو حفص عمر بن حسن بن أميلة المزي، قال أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري، قال أنبأنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي ، قال أنبأنا أبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي ، و أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي ، و أبو بكر أحمد ابن عبد الصمد الفورجي ، قالوا أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنبأنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن أبي عيسى الترمذي، أنبأنا علي بن حجر، أنبأنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقطع قراءاته، يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف، ثم يقول: الرحمن الرحيم . ثم يقف. قالوا: وهذا دليل على جواز القطع على الحسن في الفواصل، لأن هذا متعلق بما قبله وما بعده لفظاً ومعنى.
وهذا القسم يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، إلا في رؤوس الآي، فإن ذلك سنة. وحكى اليزيدي ، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه كان يسكت على رؤوس الآي،ويقول إنه أحب إلي. مث ال الحسن إذا لم يكن رأس آية قوله: الحمد لله هذا كلام حسن مفيد، وقوله بعد ذلك رب العالمين غير مستغن عن الأول.
وقد يحتمل الموضع الواحد أن يكون الوقف عليه تاما على معنى، وكافياً على غيره، وحسناً على غيرهما، كقوله تعالى: هدىً للمتقين يجوز أن يكون تاماً إذا كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ وخبره أولئك على هدى من ربهم . ويجوز أن يكون كافياً إذا جعلت الذين يؤمنون بالغيب على معنى هم الذين، أو منصوباً بتقدير أعني الذين. ويجوز أن يكون حسناً إذا جعلت الذين نعتاً للمتقين .
وهو الذي لا يجوز تعمد الوقف عليه إذا غير المعنى أو نقصه، كقوله: (باسم) هذا لا يفيد معنى، وكقوله: فويل للمصلين ، و إن الله لا يهدي ، و إن الله لا يستحيي ، و إن كانت واحدةً فلها النصف ولأبويه ، إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى و ما من إله و لا إله ، و أصحاب النار * الذين يحملون العرش ، ونحو ذلك، فيجب أن يحذر منه.
وكذلك عند انقطاع النفس، على ما لا يوقف عليه إذا رجع إلى ما قبلهن فإن كان بشعاً لا يبتدأ به، مثل الوقف عند انقطاع النفس على عزير ابن ، فلا يبتدأ بـ (عزير) ولا بسم الله الرحمن الرحيمـ (ابن) بل بسم الله الرحمن الرحيمـ وقالت اليهود ، فقس على هذه الأمثلة ما شاكلها.
أخبرنا الشيخ عمر بن أميلة، قال أنبأنا ابن البخاري، قال أنبأنا ابن طبرزد، قال أنبأنا أبو البدر إبراهيم بن محمد الكرخي، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أنبأنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال أنبأنا مسدد، قال أنبأنا يحيى، عن سفيان بن سعيد، قال أخبرني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم الط ائي، عن عدي بن حاتم، قال: جاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، ووقف، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قم واذهب، بئس الخطيب.
قالوا وهذا دليل على أنه لا يجوز القطع على القبيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أقامه لما وقف على المستبشع، لأنه جمع بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصى، والأولى أنه يقف على رشد، ثم يقول: ومن يعصهما فقد غوى.
قلت: وقد بينت معنى هذا الحديث، وكيف روي، في كتابي المسمى بـ ( التوجيهات في أصول القراءات ) فأغنى عن إعادته هنا، فاطلبه تجده.

باب كلا

وهي ثلاثة وثلاثون موضعا، في خمس عشرة سورة، لم تقع في سورة إلا وهي مكية، وقد اختلف في الوقف عليها والابتداء بها، وذلك مبني على اعتقاد أهل العربية.


فذهب قوم إلى أنها رد لما قبلها، وردع له وزجر، وهذا مذهب الخليل ، و سيبويه ، و الأخفش ، و المبرد ، الزجاج ، و أحمد بن يحيى .
وذهب قوم إلى أنها بمعنى ( حقا ). وعلى هذا المذهب تكون اسماً، لأنها بمعنى المصدر، والتقدير أحق ذلك حقاً، وهذا مذهب الكسائي وغيره، قال ابن الأنباري : قال المفسرون معناها حقاً. وقال الزجاج : حقاً توكيد، والتوكيد إنما يقع بعد تمام الكلام.
وذهب قوم إلى أنها بمعنى (ألا) التي لاستفتاح الكلام، وهذا مذهب أبي حاتم وغيره.
وقال الفراء (كلا) بمنزلة (سوف) لأنها صلة، وهي حرف رد، فكأنها (نعم) و (لا) في الاكتفاء، قال: جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها، كقولك: كلا ورب الكعبة. قال الله تعالى: كلا والقمر فالوقف على كلا قبيح، لأنها صلة لليمين. وتابع الفراء محمد ابن سعدان الضرير ، و أبو عبد الرحمن بن اليزيدي .
وقال أحمد بن يحيى ، فيما ذكره مكي ، إن أصل كلا (لا) التي للنفي، دخلت عليها كاف التشبيه،فجعلتها كلمة واحدة، وشددت لتخرج الكاف عن معنى التشبيه، فهي عنده رد لما قبلها.
ثم إن علماءنا اختلفوا في الوقف عليها، فكان بعضهم يجيز الوقف عليها مطلقاً، وبه قرأت على شيخنا أمين الدين عبد الوهاب الشهير بابن السلار، ومنهم من منع الوقف عليها مطلقاً، وهو اختيار شيخنا سيف الدين بن الجندي. ومنهم من فصل، فوقف على بعضها لمعنى، ومنع الوقف على بعضهما لمعنى آخر، وهو اختيار عامة أهل الأداء كمكي ، وعثمان بن سعيد، وغيرهما، وبه قرأت على بقية شيوخي.
فمن وقف عليها كلها كانت عنده بمعنى الردع والزجر، أي ليس الأمر كذلك، فهو رد للأول، وأنشدوا على ذلك قول العجاج إستشهاداً:
قد طلبت شيبان أن ننساكم كلا ولما يصطفق مآتم
والمعنى: لا ما لا يكون الأمر على ما ظنوا، وليس كما ظنوا حتى تصطفق المآتم، والمأتم النساء المجتمعات في خير أو شر.
ومن منع الوقف عليها واختار الابتداء بها مطلقاً كانت عنده بمعنى ألا التي للتنبيه، يفتتح بها الكلام، كقوله تعالى: ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ، وأنشدوا على ذلك قول الأعشى بن قيس إستشهاداً:
كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم إنا لأمثالكم يا قومنا قتل
واجتمعوا أيضاً بقول العرب: ( كلا زعمتم أن العير لا يقاتل ) وهو مثل للعرب، قال ابن الأنباري : وهذا غلط منه، وإنما معنى ذلك ليس الأمر كذلك، قلت: وما قال ابن الأنباري ظاهر.
ومن فصل كانت عنده في مكان بمعنى ( ألا ) وفي مكان بمعنى ( حقا ) وفي مكان للرد والزجر. وسأبين ذلك موضعاً موضعاً إن شاء الله تعالى.
فأول ما وقع من ذلك موضعان في سورة مريم عليها السلام عند الرحمن عهدا * كلا ، ليكونوا لهم عزا * كلا . قال الداني : الوقف عليهما تام عند القراء. وقال بعضهم كاف، لأنهما بمعنى ليس الأمر كذلك، فهو رد للكلام المتقدم قبلهما. وقد يبتدأ بهما على قول من قال إنهما بمعنى حقاً أو ألا. وفي سورة المؤمنون فيما تركت كلا الوقف عليها تام، وقيل كاف، ويبتدأ بها بمعنى ألا. وأما من قال إنها بمعنى حقاً فقد أجازه بعض المفسرين، وهو هم، لأنها لو كانت بمعنى ألا. وأما من قال إنها بمعنى حقاً لفتحت ( إن ) بعدها، وكذا كل ما يقال فيها أنها بمعنى حقاً فإنها تفتح بعد ( حقاً ) وبعد ما هو بمعناها، وأنشدوا:
أحقاً أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق
قال سيبويه : إذا قلت: أما أنك منطلق، إن جعلت أما بمعنى ( حقاً ) فتحت أن، وإن جعلتها بمعنى ( ألا ) كسرت.
وهكذا الكلام في الثاني من الشعراء، وموضعي المعارج، والأولان في المدثر، والأول في عبس، والأول والثالث والرابع في المطففين، والأول في العلق، لأن (أن) مكسورة في كل هذه المواضع بعد كلا، فلا تكون بمعنى حقاً، ويبتدأ (بكلا) فيهن بمعنى (ألا).
وفي الشعراء موضعان فأخاف أن يقتلون * قال كلا الوقف عليها على مذهب الخليل وموافقيه ظاهر قوي، وعلى ذلك جماعة من القراء منهم نافع ونصير، أي ليس الأمر كذلك، لا يصلون إلى قتلك، فهو رد لقول موسى عليه السلام: فأخاف أن يقتلون، ولا يبتدأ بكلا في هذا الموضع، ولكن يجوز الوقف على (يقتلون) ويبتدأ (قال كلا) على معنى ألا أو حقا.
قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا الوقف على كلا، وهو حكاية عن قول موسى لبني إسرائيل، أي ليس الأمر كما تظنون من إدراككم، ويجوز أن يبتدأ بـ (قال كلا) على معنى ألا فقط. قال الداني : ولا يجوز الوقف على (قال) ولا يبتدأ بكلا، وهذا ظاهر.
وفي سبأ موضع شركاء كلا الوقف عليها مثل ما تقدم، والابتداء بها جائز.
وفي المع ارج موضعان ينجيه * كلا ، جنة نعيم * كلا الوقف عليهما كما تقدم، والابتداء بهما جائز.
وفي المدثر أربعة مواضع أن أزيد * كلا ، صحفا منشرة * كلا الوقف عليهما كما تقدم، والابتداء بهما حسن. ذكرى للبشر * كلا لا يحسن الوقف عليها لأنها صلة اليمين، والابتداء بها حسن بالمعنيين. بل لا يخافون الآخرة * كلا لا يوقف عليها، ويبتدأ بها.
وفي القيامة ثلاثة مواضع أين المفر * كلا ، فاقرة * كلا ، لا يوقف عليهن. ويبتدأ بهن على المعنيين.
وفي النبأ موضعان هم فيه مختلفون * كلا سيعلمون * ثم كلا لا يوقف عليهما، ويبتدأ بهما.
وفي عبس موضعان تلهى * كلا الوقف عليها كاف، وهو رد وزجر لما قبله، ويبتدأ بها بمعنى ألا. أنشره * كلا لا يوقف عليها، والابتداء بها جائز.
وفي الإنفطار موضع ركبك * كلا لا يوقف عليها، وفي المطففين أربعة مواضع لرب العالمين * كلا ، تكذبون * كلا ، يكسبون * كلا لا يوقف عليهن، ويبتدأ بهن. أساطير الأولين * كلا الوقف عليها كاف، لأنها رد لما قبلها، ويبتدأ بها.
وفي والفجر موضعان أهانن * كلا ، جما * كلا الوقف عليهما كاف ، والابتداء بهما حسن. وفي العلق ثلاثة مواضع ما لم يعلم * كلا ، يرى * كلا ، الزبانية * كلا لا يوقف عليهن، ويبتدأ بهن، بمعنى ألا وحقاً، إلا الأول فقط.
وفي التكاثر ثلاثة مواضع المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لا يوقف عليهن، ويبتدأ بهن.
وفي الهمزة أخلده * كلا الوقف عليه تام، وقيل كاف لأن معناه لا ليس الأمر كذلك، فهو رد أي لم يخلده ماله، ويبتدأ بها على المعنيين. والله سبحانه أعلم ؟؟؟؟؟؟؟؟


أقرأ ايضاً مصرع شخص وإصابة 12 آخرين فى حريق "النصر للبترول" بالسويس - اخر اخبار حريق شركة البترول
السيطرة على حريق شب فى 3 خزانات بشركة النصر للبترول بالسويس - أكبر شركات البترول تحترق
الإنسان لا يرى كل شيء بعينه المجرده - حبة الرمل



الوقف والابتداء

 

Powered by vBulletin®Copyright ©2000 - 2014
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات شباب اليوم 2013-2014-2015-2016-2017
المواد المنشورة فى موقع شباب اليوم لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة وإنما تعبر عن وجهة نظر كاتبها